محمد الحضيكي

471

طبقات الحضيكي

كان - رضي اللّه عنه - أعجوبة الزمان في الذكاء والحفظ والحزم والعزم من صوارم الدهر . نشأ ببلده ، وقرأ على علمائها ، ثم ارتحل للجزائر ولازم فيها الحافظ أبا الحسن علي بن عبد الواحد الأنصاري الفلالي زمانا ، وزوجه أبو الحسن ابنته ، ثم فارقها لموجب وأمر والدها ، وصحبه حتى مات أبو الحسن ، وارتحل للحرمين الشريفين وجاور بهما ، ودرس العلوم ، وأقبل عليه الناس زمانا ، ثم تجددت له نية في علم الحديث . قال فيه الشيخ ابن ناصر في " رحلته " : أما الشيخ أبو مهدي عيسى بن محمد الثعالبي الجعفري - رضي اللّه عنه - فهو الشيخ العلامة ، المحقق الفهامة ، نادرة الزمان ، وإمام من ضمه الحرمان ، الخائض بحار العلوم ظاهرها ومصونها ، الحائز من علم الباطن أوفر نصيب بعد ما رمى في العلم الظاهر بسهم مصيب . قال شيخنا أبو سالم العياشي : تلقى من عدة مشايخ ، وسلك على طرقهم إلا أنه لم [ 368 ] يعدل عن حزب الشاذلية « 1 » / وفريقهم ، فلذلك كان مقبولا عند أهل الباطن والظاهر كما هو شأن أئمة الشاذلية المشاهير ، لا يملك عينيه إذا ذكرت الآخرة وأهوالها ، ولا تستفزه نضارة الدنيا وأهوالها ، لا يغشى أبواب الأمراء ، ولا يستنكف عن مجالسة الفقراء . قاسى في أول [ مجاورته ] أبالحرم من الفقر شدة ، فاتخذ الصبر عدة ، فلم يكشف قناع وجهه لطلب نوال أمير ، وقنع بالكسرة والماء النمير ، ثم اشتهر بعد ذلك أمره ، وظهر للناس خيره ، وسارع إليه الناس من كل جانب . وعكف في آخر عمره على سماع الحديث وإسماعه ، وجمع من العوالي والأسانيد الغربية ، والفوائد العجيبة ما لم يجمع غيره ، وسمع وأسمع من الأسانيد والمعاجم والأجزاء ما لم يتفق مثل ذلك ، ولا قريب منه لأهل عصره . وكان أول نشأته - رضي اللّه عنه - في بلاده من وطن الثعالبة ، وعشيرته ينتسبون إلى الإمام جعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، ومنهم الشيخ العالم الصالح سيدي عبد الرحمن الثعالبي المشهور رضي اللّه عنه . ثم نشأ في حجر والديه ، وحملاه على القراءة فقرأ على فقهاء بلده ، ثم رحل للجزائر ، وتبرك بصلحائها وقرأ على علمائها ، ولازم الحافظ

--> ( أ ) م ، خ ، ن : مجالسته . ( 1 ) الحزب الكبير للشاذلي ، أوله : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم » . ( انظر المرآة : 58 - 63 ) .